ثقافة خاصة - بقلم د . لانا مامكغ
كتبهاعبدالرزاق المحتسب ، في 23 تشرين الثاني 2007 الساعة: 15:52 م
كن جالسات يتابعن إحدى التمثيليات التلفزيونية حين طالعهن وجه البطلة في لقطة مقربة خلال مشهد تأمل صامت تخللته موسيقى تصويرية حالمة، فاستغلت إحداهن الفرصة لتقول: وجهها جميل لو كان ذقنها أصغر قليلا! قالت أخرى وهي تشعل سيجارة: يقال إنها أجرت عملية تجميل لأنفها . . وربما قامت بشد بشرتها في وقت قريب أما الأخيرة فقد قالت وهي تضع ساقا على أخرى برشاقة مفتعلة : كانت ستبدو أجمل لو أنها فقدت بضعة كيلو غرامات . . تبدو مكتنزة! وفيما بدت الأولى في صدد إضافة تعليق آخر، دخل البطل الوسيم في المشهد ليقطع على البطلة سرحانها ويسكت المشاهدات ليدخلهن بدورهن في سرحان آخر! هذا حوار (عينة) من ضمن حوارات جرت العادة أن تدخلها النساء ضد النساء في معظم المجالات . . وحتى داخل مستويات ثقافية رفيعة جدا، فالمرأة يا سادة قلما تشهد لامرأة مثلها، وقبل أن تتسع ابتسامات الرجال . . أقول مهلا، لا تفرحوا كثيرا بهذا الاعتراف، خاصة وأن الحال بينكم ليس أفضل بكثير.
إذ تحضرني إحدى الصديقات وإصرارها الشديد طوال بحثها عن وظيفة على العمل بين الرجال فقط، وكانت تقابل ابتساماتنا الخبيثة إزاء إصرارها الغريب بقولها إن التعامل مع الرجال مريح، عدا عن أن مجتمع الرجال أرقى فكريا وأعمق ثقافة، وأن ليس لديهم ترهات النساء ولا الوقت أو الاستعداد لممارستها.
المهم أن الصديقة حققت رغبتها وكان لها ما أرادت فعملت في قطاع كله رجال لتكون أقرب من جو فكري صحي جاد على حد قولها،ـ وحدث أن صادفتها مؤخرا، فسألتها عن انطباعاتها بعد تحقيق مطلبها، لأفاجأ بها تصيح بأسى: اسكتي، لا تذكَريني . . لقد تبين أن أكثر الرجال هم (نساء) بشكل ما ومن نوع ما، صحيح أنهم يحلقون ذقونهم كل يوم ويرتدون البدلات وربطات العنق والتجهم كل يوم، إلا أنهم لا يختلفون عن النساء أبدا، وتحديدا عن ذلك النوع من النساء الفارغات المتفرغات! وتضيف وهي تحاول السيطرة على نبرة صوتها العالية: لقد تبين يا أختي أن للرجال أيضا ترهاتهم وتفاهاتهم المخزية، ولدى بعضهم قدرة فائقة على النميمة والاستغابة ، بل ما أسمعه يتعدى حدود القدرة المجردة ليتحول إلى فن . . وفن متجدد أيضا! قلة فقط من المثقفين الحقيقيين تلك التي تترفع عن هذا الدرك. فتبقي للرجولة، ذلك الذهب العتيق - بعض صلابته وشيئا من بريقه، في الوقت نفسه الذي تحمي فيه أحلامي من حالة الاحتراق التام! من هنا، يتضح من خلال تجربة الصديقة أن تعصبها كان في غير محله ، إذ يبدو أن لا فروق فكرية أو ثقافية تذكر بين الجنسين، فالفرق ينحصر على صعيد الأفراد بين رجل ورجل وبين امرأة وأخرى ليس إلا .
لكن . . . ولتعد الابتسامات من جديد إلى وجوه الرجال أمام ما أجابت به أستاذة علم النفس في جامعة أجنبية على سؤال يقول: (هل الرجال متفوقون حقا على النساء؟) حين قالت بالحرف الواحد: يتجانس الرجال ويلتحمون على نحو لا تعرفه النساء . . وأنا حين أسمع أن رجلا غفر لآخر ضررا ألحقه به، أو حين تدوي في أذني تلك الصرخة المجنونة الحبيبة التي تطلقها حناجر المتفرجين الذكور تحمسا لأبطال الرياضة من بني جنسهم ، أو لأبطال في أي مضمار آخر، وحين أصغي إلى مديح يغدقه رجال على رجال آخرين استحسانا لما صنعوه، وحين أسمعهم يتفجعون على سوء حظ ألم بآخرين منهم . . فإن لوني يمتقع حسدا! وبعد، ورغم تقديري لتجربة الصديقة، وإعجابي الشديد باللمس الذكي للقضية المتمثل في كلام الأستاذة، وبعيدا عن حكاية التفوق التي لا أؤمن بها قطعيا أقول: إن فهم الآخرين يحتاج إلى (القلب) المثقف بالمقدار نفسه الذي يحتاج فيه إلى العقل المثقف، بالمقابل، فإن تقدير جهود الآخرين ومواهبهم وكفاءاتهم وإبداعاتهم وحضورهم يحتاج إلى العين والأذن والإحساس المثقف . . باختصار، يحتاج إلى (الروح المثقفة)، وهي ثقافة خاصة جدا وراقية جدا قد لا يحدث أن يصل إليها الكثيرون أو الكثيرات !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقلات د. لانا مامكغ | السمات:مقلات د. لانا مامكغ
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























