تطبيق القانون الجزء الاول
كتبهاعبدالرزاق المحتسب ، في 4 شباط 2009 الساعة: 21:13 م
تطبيق القانون من حيث الأشخاص
المطلب الأول: مبدأ عدم جواز الاعتذار بجهل القانون
الفرع الأول: أساس المبدأ
يعتبر القانون نافذا في حق الأشخاص بعد نشره في الجريدة الرسمية، فبعد إصدار القانون ونظرا لاستحالة إحاطة جميع الناس الذين يعيشون في دولة معينة علما بصدوره، افترض علم جميع الناس بالتشريع منذ نشره في الجريدة الرسمية، فلا يجوز بعد هذا لأي شخص الاحتجاج بعدم علمه بالقانون بسبب مرضه أو غيابه، فمبدأ عدم جواز الاعتذار بجهل القانون يقوم على قرينة مفادها افتراض علم الأشخاص به من يوم نشره، وقد أثير نقاش في الفقه حول ما إذا كان افتراض العلم بالقانون يقوم على قرينة قانونية تجعل من أمر محتمل الوجود أمرا ثابتا أو هي مجرد حيلة قانونية تجعل من أمر غير صحيح صحيحا، ذلك لاستحالة علم جميع الأشخاص بالقوانين نظرا لكثرتها، فيستحيل للشخص العلم بها حتى ولو تم نشرها فيعتبر هذا المبدأ مجرد حيلة لإلزام الناس بالقانون، ويذهب البعض الآخر إلى أنها قرينة قانونية طالما يوجد احتمال ليعلم بعض الناس بالقاعدة وليس كلهم، فالقرائن القانونية تقوم على الاحتمال لا على اليقين، وهذا الاحتمال يتحقق فعلا بنشر التشريع في الجريدة الرسمية وعندما يصبح هذا الاحتمال مستحيلا، كحدوث قوة قاهرة تمنع من توزيع الجريدة الرسمية في منطقة معينة، فيستحيل تطبيق القاعدة آنذاك.
وتنص المادة 04 من القانون المدني الجزائري على ما يلي: ” تطبق القوانين في تراب الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية ابتداءا من يوم نشرها في الجريدة الرسمية ” وتكون نافذة في الجزائر العاصمة بعد مضي يوم من تاريخ نشرها، وفي النواحي الأخرى بعد مضي يوم من تاريخ وصول الجريدة الرسمية لمقر الدائرة، ويشهد على ذلك ختم الدائرة الموضوع في الجريدة.
الفرع الثاني: تبريرات المبدأ
هناك من يبرر المبدأ على أساس أنه بتحديد تاريخ واحد يصبح القانون فيه نافذا في مواجهة الجميع تتحقق فيه المساواة بين الناس، فلا يستطيع الشخص مهما كانت مكانته استبعاد تطبيق القانون. لكن يرى البعض أن فكرة المساواة لا تتحقق بتطبيق مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل للقانون، ذلك أنه إذا كان الجهل من رجل متخصص فلا جزاء عليه، مثال ذلك جهل القضاة للقانون أحيانا والدليل على دلك أنه كثيرا ما تعلن المحكمة العليا سوء تطبيق القانون من طرف المحاكم الدنيا، ولا يمكن تبرير ذلك على اعتبار الطعن بالنقض جزاءا على مخالفة القضاة للقانون لأنه قد ييأس الأشخاص ولا يطعنون بالنقض فيصبح الحكم الصادر عن جهل القاضي للقانون نهائيا، وبالتالي لا يوجد جزاء حقيقي لسوء تطبيق القاضي للقانون.
لكن يظل المبدأ أساسي تبرره الحاجة الاجتماعية، فما فائدة القوانين إذا أمكن للأشخاص استبعادها، فالمبدأ مرتبط بالفائدة من وجود القانون. فاستقرار المجتمع يستدعي وضع تاريخ معين يعتبر فيه القانون ساري المفعول، إذ من المستحيل تعليم الأفراد بالقانون واحدا بواحد. كما أن تطبيق القانون يتأجل لو تركنا المجال لكل شخص لإثبات جهله به.
الفرع الثالث: نطاق تطبيق المبدأ
يسري هذا المبدأ في نطاق القانون الخاص والعام كما يسري أيضا على جميع القوانين مهما كان مصدرها سواء التشريع أو العرف أو الشريعة الإسلامية. فلا يستطيع الشخص الاعتذار بجهل قواعد الشريعة الإسلامية لاستبعاد تطبيقها عليه، وكذلك القواعد العرفية متى صارت ملزمة. فلا يمكن استبعاد تطبيقها إلا باتفاق بين المتعاقدين على عدم تطبيقها إلا أنه لا يمكن الدفع بالجهل بها عند تطبيق القاضي لها في حالة عدم الاتفاق على استبعادها.
ويطبق المبدأ أيضا بالنسبة للقواعد الآمرة والمكملة. وهناك من يرى جواز الاحتجاج بالجهل بالقواعد المكملة وهذا الرأي مؤيد للرأي القائل بعدم إلزامية القواعد المكملة، وهذا القول يؤدي إلى فقد القاعدة المكملة لأهميتها، إذ ما الفائدة من وجود قواعد مكملة إذا أمكن للأفراد استبعادها سواء بعد الاتفاق أو قبله؟ ولكن الحقيقة هي أنه يجوز للمتعاقدين الاتفاق على خلاف القاعدة المكملة، ولكن هذا الخلاف يتم وقت التعاقد وليس بعده.
فإذا قام نزاع بين المتعاقدين قبل اتفاقهما على المسألة المتعاقد من أجلها ترك لهم المشرع الخيار في الاتفاق بصددها كمكان أو زمان تسليم البضاعة. فتكون المفاضلة للشخص الذي يتمسك بتطبيق القاعدة المكملة عن غيره و إلا فما الداعي لوجود هذه القاعدة أصلا.
ففي حالة عدم اتفاق المتعاقدين على ما هو مخالف للقاعدة المكملة طبقت هذه القاعدة إلزاميا ولا يجوز بعد ذلك لأحد منهما الادعاء بجهلها.
أما بالنسبة للقواعد الآمرة فلا يجوز لأحد أن يخل بها بدعوى أنه يجهلها لأن أحكامها معروفة من طرف الجميع و إلا لما أمكن تطبيقها تطبيقا منتجا لو أفسحنا جانب العذر في ذلك.
المطلب الثاني: الاستثناءات الواردة على المبدأ
هناك من يرى في جواز تمسك الشخص بالغلط في القانون وبالجهل بقوانين غير جنائية، بقاعدة لغلط الشائع يولد الحق، استثناءا من مبدأ عدم جواز الاعتذار بجهل القانون. وسنتعرض لهذه المسائل مبينين أهم الاستثناءات، وهل تؤدي فعلا على استبعاد تطبيق القانون على الأشخاص؟
الفرع الأول: القوة القاهرة
إذا استحال علم الشخص بالقانون بسبب قوة قاهرة حالت دون وصول الجريدة الرسمية إلى منطقة أو مناطق معينة من إقليم الدولة، فإنه لا يمكن الأخذ بمبدأ عدم الاعتذار بجهل القانون بل أن هذا المبدأ يستبعد. ويمكن بذلك الاحتجاج بجهل التشريع الجديد، وذلك حين زوال السبب الذي جعل العلم بهذا التشريع مستحيلا و وصول الجريدة الرسمية المتضمنة للتشريع إلى الأشخاص المعنيين بحكمه، ومثال القوة القاهرة: احتلال العدو لأحدى مناطق الدولة، الزلزال، وغيرها من الظروف التي يستحيل معها علم الأفراد بالتشريع في الجريدة الرسمية. ففي جميع الحالات يجوز للفرد الاحتجاج بجهل القانون لأن تطبيقه حينئذ يصبح مخالفا للعدل. ومن المواد التي صرحت بهذا الاستثناء المادة 37/1 من تقنين العقوبات العراقي: (( ليس لأحد أن يحتج بجهله بأحكام هذا القانون أو أي قانون عقابي آخر ما لم يكن قد تعذر علمه بالقانون الذي يعاقب على الجريمة بسبب قوة قاهرة))، كما اتخذت محكمة النقض المصرية بهذا الاستثناء في أحد أحكامها، فقضت بأنه: (( لا يقبل من أحد الاعتذار بجهله أو إثبات أن ظروفه الخاصة قد حالت دون علمه الفعلي… وإنما يقبل فقط العذر بالجهل بالقانون إذا حالت قوة قاهرة دون وصول الجريدة الرسمية بتاتا إلى منطقة من مناطق الجمهورية)).
مناقشة هذا الاستثناء: يلاحظ على هذا الاستثناء ما يلي:
1/- أن مجاله ينصرف فقط إلى القواعد التشريعية دون غيرها من قواعد الدين والعرف، ذلك أن التشريع وحده هو الذي ينشر في الجريدة الرسمية وهو الذي يفترض العلم بهذا النشر.
2/- أنه نادر التحقيق اليوم، نظرا لتقدم وسائل المواصلات وخاصة الجوية منها.
3/- أن الأمثلة التي صاغها الفقهاء للتدليل على القوة القاهرة لا تعتبر في الحقيقة استثناءا من قاعدة لا عذر بجهل القانون بل هي تطبيق لها. إذ أن عدم علم المواطنين مثلا في إقليم احتله العدو بالتشريعات التي تصدر أثناء الاحتلال، إنما يرجع إلى عدم استطاعة الاحتجاج قبلهم بنشرها، ذلك النشر الذي به وحده تنهض قرينة على افتراض علمهم بتلك التشريعات وليس إلى استحالة العلم بها استحالة مطلقة.
الفرع الثاني: الغلط في القانون
لقد نص المشرع في المادة 83 مدني على أنه يجوز للمتعاقد الذي وقع في غلط في القانون أن يبطل إبطال العقد متى كان هذا الغلط هو الدافع الرئيسي إلى التعاقد، فالعيب في الإرادة يتحقق سواء كان الغلط في واقعة من الوقائع، كمن يشتري تحفة ظنا أن لها قيمة أثرية ثم يتضح له خلاف ذلك. وقد يكون الغلط في القانون أي غلط ينص على جهل المتعاقد لحكم القانون في مسألة معينة فيتعاقد وفقا لذلك، كأن يبيع الزوج نصيبه في الإرث ظنا أنه يرث النصف، ثم يتضح له أن نصيبه الربع لعدم وجود فرع وارث للزوجة. فالمتعاقد تعاقد نتيجة غلط في القانون ويكون له الحق في طلب إبطال العقد. فهل يعتبر تمسك الشخص بإبطال التصرف لأنه وقع في غلط في القانون اعتذارا بجهله به؟ والحقيقة هي أن أعمال عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون لا يتنافى إطلاقا مع أعمال الغلط في القانون إذ حكمه يطبق دائما. لن أساس الاعتذار بالجهل بالقانون هو الإيتاح للشخص التخلص من حكم القانون، فعندما يطالب الشخص بإبطال العقد لوقوعه في غلط فهو يطالب بتطبيق القانون.
ويرى البعض أن الغلط في القانون يهدف إلى المساس بمبدأ القوة الملزمة للعقد و بالتالي يعتبر استثناء من مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون، إذ أن إبطال العقد يؤدي إلى التخلص من حكم القانون الذي يجعل العقد ملزما. ويمكن الرد على هذا القول أن القوة الملزمة لا يمكن تطبيقها عندما يكون أحد المتعاقدين قد تعاقد وهو جاهل لحكم القانون، وبالتالي الغلط في القانون لا يترتب عليه عدم تطبيق القانون وبهذا لا يعتبر استثناء من مبدأ عدم جواز الاعتذار بجهل القانون، والدليل على ذلك أنه حينما يكون إبطال العقد للغلط في القانون يؤدي إلى استبعاد تطبيق القانون، كمطالبة مؤجر بإلغاء عقد إيجار حددت فيه الأجرة بما هو زائد عن الحد الأقصى المحدد قانونيا فلا يبطل العقد بل يخضع المؤجر لحكم القانون وتخفض الأجرة إلى الحد الأقصى وهذا ما تنص عليه المادة 454 مدني التي تقضي ببطلان العقد.
مناقشة هذا الاستثناء:
يرى بعض الفقهاء عدم التسليم بهذا الاستثناء لأن إبطال العقد بغلط في القانون ليس فيه خروج على مبدأ عدم جواز الاعتذار بجهل القانون بل هو وسيلة لتدعيمه. فمن يطلب إبطال العقد لوقوعه في غلط في القانون لا يقصد التهرب من أحكام القانون التي وقع الغلط فيها، بل إنه في الحقيقة يطالب بتطبيق هذه الأحكام، فالوارث الذي يجهل قواعد الميراث ويقع في غلط بقدر الحصة التي تفرضها له، ثم يطلب بإبطال عقد البيع الذي أبرمه تحت تأثير هذا الغلط، لا يمنع الحكم له بإبطال البيع من خضوعه لقواعد الميراث التي كان يجهلها بل تظل سارية في حقه، فيحصل على نصف التركة لا ربعها، ولولا انطباق هذه الأحكام لما جاز لهذا الوارث طلب إبطال العقد.
الفرع الثالث: دفع المسؤولية الجنائية بسبب الجهل بقوانين غير جنائية
الفرع الرابع: جهل الأجنبي بأحكام قانون العقوبات للدولة التي نزل بها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثقافة قانونية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 30th, 2009 at 30 مارس 2009 9:41 م
ما اروعك والله رائع جدا تابع بارك الله فيك
ديسمبر 29th, 2009 at 29 ديسمبر 2009 5:43 م
شكرا لك على الخدمة التي قدمتها